فصل: 493- باب ما جَاءَ في الصّائِم يأْكُلُ أو يَشْرَبُ ناسِيا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


486- باب ما جَاء في الرُخصَةِ في الصوّمِ في السّفَر

705- حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمَدانِيّ عن عَبْدَة بنُ سُلَيمانَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائشَةَ أنّ حمزةَ بنَ عَمْروٍ الأسْلَمِيّ سأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّومِ في السّفرِ وكان يَسْرُدُ الصّومَ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِر‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أنسِ بنِ مالكٍ وأبي سعيدٍ وعبدِ الله بنِ مسْعودٍ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وأبي الدّرْدَاءِ وحَمْزَةَ بنِ عَمْروٍ الأسْلَمِيّ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائشة أنّ حَمزَةَ بنَ عَمْرٍو سأَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

217- حدثنا نَصْرُ بنُ عَليّ الجَهْضَمِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن سَعِيدِ بنِ يزيدَ أبي مَسْلَمَةَ عن أبي نَضْرةَ عن أبي سعيدٍ الخدري قال ‏"‏كُنّا نُسَافِرُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ فما يَعيبُ على الصائِمِ صَوْمهُ ولا على المُفْطِرِ إفطارَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

706- حدثنا نَصْرُ بنُ عليَ حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثنا الجُرَيْرِي، ح قال وحدثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ حدثنا عبدُ الأعلَى عن الجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيدٍ قال ‏"‏كُنّا نُسَافِرُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَمِنّا الصّائِمُ ومنّا المُفْطِرُ فلا يَجِدُ المُفْطِرُ على الصّائِمِ ولا الصّائِمُ على المُفْطِرِ، فكانوا يَرَوْنَ أنّهُ مَنْ وَجَدَ قُوّةَ فصَامَ فَحَسَنٌ، ومَنْ وَجَدَ ضَعفاً فأَفْطَر فَحَسَنٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان يسرد الصوم‏)‏ من باب نصر ينصر أي يتابعه ويواليه، وفي رواية الصحيحين‏:‏ قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأصوم في السفر، وكان كثير الصيام، وفي رواية لمسلم‏:‏ فقال يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم فأصوم في السفر‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ وفي رواية صحيحة عند أبي داود ما يقتضي أنه سأله عن الفرض وصححها الحاكم ‏(‏إن شئت فصم وإن شئت فأفطر‏)‏ قال النووي‏:‏ فيه دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان، قال وفيه دلالة لمذهب الشافعي ومرافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف ضرراً ولا يفوت به حقاً بشرط فطر يوم العيدين والتشريق لأنه أخبره بسرده لم ينكر عليه بل أقره عليه إنتهى‏.‏

قلت‏:‏ في الاستدلال بهذا الحديث على عدم كراهة صوم الدهر نظراً لأنه يحتمل أن يكون المراد من قوله إني رجل أسرد الصوم أي أكثر الصيام كما يدل عليه قوله‏:‏ وكان كثير الصيام، فما لم ينتف هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس بن مالك وأبي سعيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وحمزة بن عمرو الأسلمي‏)‏ أما حديث أنس بن مالك فأخرجه الشيخان عنه قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر فنزلنا منزلاً في يوم حار فسقط الصوامون وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ذهب المفطرون اليوم بالأجر‏"‏‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب هذا الباب وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطحاوي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر ويفطر‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه الشيخان عنه قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا يضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة‏.‏ وأما حديث حمزة بن عمرو الأسلمي فأخرجه مسلم والنسائي عنه أنه قال يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل على جناح‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فما يعاب على الصائم صومه‏)‏ لعمله بالعزيمة ‏(‏ولا على المفطر ففطره‏)‏ لعمله بالرخصة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلا يجد المفطر على الصائم‏)‏ أي لا يغضب قال في القاموس‏:‏ وجد عليه يجد ويجد وجد أو جدة وموجدة غضب ‏(‏وكانوا يرون أنه من وجد قوة فصام فحسن ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن‏)‏ قال النووي‏:‏ هذا صريح بترجيح مذهب الأكثرين وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة، وقال بعض العلماء الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث، والصحيح قول الأكثرين والله أعلم إنتهى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه‏:‏ وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع النزاع إنتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

487- باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ للِمُحَارِبِ في الإفْطَار

707- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهْيَعَةَ عن يَزِيدَ بْن أبي حَبِيبٍ عن مَعْمَرِ بنِ أبي حُيَيّةَ عن ابنِ المسَيّبِ ‏"‏أنّهُ سَأَلَهُ عن الصّوْمِ في السّفَرِ فَحَدّثَ أنّ عُمَرَ بن الخَطّابِ قال غَزَوْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ غَزْوتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ فَأَفْطَرْنَا فيهِمَا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديث عُمَرَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏

وقد رُوِيَ عن أبي سعيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ أمَرَ بالفِطْرِ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ نحوُ هذا، أَنّهُ رخّصَ في الإفْطَارِ عِنْدَ لِقَاءِ العَدُوّ‏.‏ وبِهِ يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن معمر‏)‏ بفتح الميم وسكون العين ‏(‏بن أبي حبيبة‏)‏ بضم الحاء المهملة وتكراراً المثناة من تحت مصغراً، وقد قيل فيه ابن أبي حبيبة، وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث، كذا في ‏"‏قوت المغتذي‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه سأله‏)‏ أي أن معمر بن أبي حبيبة سأل ابن المسيب ‏(‏والفتح‏)‏ أي فتح مكة ‏(‏فأفطرنا فيهما‏)‏ إما لأجل السفر وإما للتقوى عند لقاء العدو، ويعين الثاني حديث أبي بكر بن عبد الرحمَن عن بعض الصحابة وسيجيء لفظه وفيه دليل على جواز الإفطار للمحارب عند لقاء العدو ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد‏)‏ أخرجه مسلم ولفظه‏:‏ إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، قال‏:‏ فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال‏:‏ إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا‏.‏ فكانت عزمة فأفطرنا الحديث، مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا‏.‏ فكانت عزمة فأفطرنا الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عبد الرحمَن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال‏:‏ ‏"‏تقووا لعدوكم‏"‏، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجه عنه الشافعي في المسند وأبو داود وصححه الحاكم وابن عبد البر، كذا في التلخيص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏)‏ وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يعتضد بحديث أبي سعيد المذكور ‏(‏وقد روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها‏)‏ رواه مسلم وقد تقدم آنفاً لفظه‏.‏

488- باب ما جَاءَ في الرّخصَة لاَ في الإفْطَارِ للحُبْلى وَالمُرْضِع

708- حدثنا أبو كُرَيْبٍ و يُوسفُ بنُ عيسى قالا‏:‏ حدثنا وَكيعٌ، حدثنا أبو هِلاَلٍ عن عبدِ الله بنِ سَوادَةَ عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ‏(‏رَجُلٌ من بَنِي عبدِ الله بنِ كَعْبٍ‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏أغارَتْ عَلَيْنَا خَيْلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَوَجَدْتُهُ يتغَدّى، فقال‏:‏ ‏"‏ادْنُ فكُلْ‏"‏ ‏"‏فقُلْت إني صَائِمٌ، فقال‏:‏ ‏"‏ادْنُ أُحَدّثْكَ عن الصّومِ أَو الصّيامِ‏:‏ إنّ الله تعالى وَضَعَ عنِ المُسَافِرِ الصوم وشَطْرَ الصّلاَةِ، وعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصّوْمَ أو الصّيَامَ‏"‏ والله لَقَدْ قالَهُمَا النبيّ صلى الله عليه وسلم كِلتَيْهِمَا أو إِحداهما، فيا لَهْفَ نفسِي أنْ لا أكُونَ طَعِمْتُ مِنْ طَعَامِ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي أُمَيّةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أَنَسِ بنِ مالِكٍ الكَعْبِيّ حديثٌ حسنٌ ولا نَعْرِفُ لأنَسِ بنِ مَالِكٍ هذا عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هذا الحَدِيثِ الواحِدِ‏.‏

والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهل العلمِ‏.‏

وقال بعضُ أهلِ العلمِ‏:‏ الحَامِلُ والمُرضِعُ تفْطِرنِ وتقْضِيَانِ وتطْعِمَان‏.‏ وبهِ يقولُ سُفْيانُ ومالِكٌ والشّافِعِيّ وأحْمَدُ‏.‏ وقالَ بعضُهم‏:‏ تفطران وتطعمان ولا قَضَاء عَلَيْهِمَا، وإن شَاءَتَا قَضَتَا ولا إطعَامَ عَلَيْهِمَا‏.‏ وبهِ يقولُ إسحاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب‏)‏ زاد في رواية أبي داود‏:‏ إخوة بني قشير‏.‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ أنس بن مالك القشيري الكعبي أبو أمية وقيل أبو أميمة أو أبو مية صحابي نزل البصرة انتهى‏.‏ وقال ابن أبي حاتم في علله‏:‏ سألت أبي عنه يعني الحديث فقال‏:‏ اختلف فيه‏.‏ والصحيح عن أنس بن مالك القشيري انتهى‏.‏ وفي المرقاة‏:‏ الصواب أنه من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته، فهو كعبي لا قشيري خلافاً لما وقع لابن عبد البر لأن كعباً له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله، وأما أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أنصاري تجاري خزرجي انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أغارت علينا‏)‏ أي على قومنا فإنه كان مسلماً من قبل، والإغارة النهب ‏(‏خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي فرسانه صلى الله عليه وسلم ‏(‏فقال أدن‏)‏ أمر من الدنو بمعنى القرب ‏(‏إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة‏)‏ أي نصفه يعني نصف الصلاة الرباعية ‏(‏وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام‏)‏ وفي رواية أبو داود‏:‏ إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى، والله لقد قالهما جميعاً أو أحدهما ‏(‏والله لقد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم كليهما أو أحدهما‏)‏ أي قال الحامل والمرضع كليهما أو أحدهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي أمية‏)‏ أخرجه النسائي وليس فيه ذكر المرضع والحبلى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم‏)‏ كذا قال الترمذي ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ يجوز للحبلى والمرضع الافطار، وقد ذهب إلى ذلك العترة والفقهاء إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين، وقالوا إنها تفطر حتماً‏.‏ قال أبو طالب‏:‏ ولا خلاف في الجواز انتهى ‏(‏وقال بعض أهل العلم‏:‏ الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد‏)‏ أما أنهما يقضيان فلأنهما في حكم المريض والمريض يفطر ويقضي، وأما أنهما يطعمان فلاَثار بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم روى أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله ‏(‏وعلى الذين يطيقونه‏)‏ قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الطعام، أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، وأخرجه البزار كذلك وزاد في آخره‏:‏ وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى‏:‏ أنت بمنزلة الذي لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك‏.‏ وصحح الدارقطني إسناده‏.‏ وروى الإمام مالك في الموطأ بلاغاً أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام فقال تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال مالك‏:‏ وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله عز وجل ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر‏}‏ ويريدون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها انتهى ‏(‏وقال بعضهم‏:‏ يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام، وبه يقول إسحاق‏)‏ فعنده لا يجمع بين القضاء والإطعام، فإذا أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام أو أطعمتا ولا قضاء‏.‏

قال الحافظ في الفتح‏:‏ اختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد، فقال الشافعي‏:‏ يقضون ويطعمون، وقال الأوزاعي والكوفيون‏:‏ لا إطعام انتهى‏.‏ قال البخاري في صحيحه‏:‏ قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران وتقضيان ولا إطعام بأن الأصل فيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر‏}‏ أي إذا أفطر يلزم عليه الصوم بقدر ما فاته ولا أثر للفدية فيه، والحامل والمرضع أعطى لهما حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط، ويشهد له حديث الباب‏.‏

وقال العلامة الشاه ولي الله في المصفى بعد ذكر قول إسحاق المذكور ما لفظه‏:‏ أين قول بتطبيق أدله مناسب ترمي نمايد انتهى‏.‏ والظاهر عندي أنهما في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط والله تعالى أعلم‏.‏

489- باب ما جَاءَ في الصّومِ عنِ الميّت

709- حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشَجّ، حدثنا أبو خالِدٍ الأحْمَرُ عِن الأعَمشِ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ و مُسْلِمٍ البَطِينِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ و عَطَاءٍ و مُجَاهِد عن ابنِ عبّاس قال جاءَت امرأةٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إنّ أُخْتِي مَاتَتْ وعليها صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنَ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أَرَأَيْتِ لَوْ كان على أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكْنتِ تَقْضِينَه‏"‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعَم، قال‏:‏ ‏"‏فَحَقّ الله أَحَقّ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وابنِ عُمَرَ وعائشةَ‏.‏

710- حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عن الأعْمَشِ بهذا الإسنادِ نَحْوَهُ

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قال‏:‏ وسمعت محمداً يقول‏:‏ جوّد أبو خالد الأحمر هذا الحديث عن الأعْمَش‏.‏ قال محمدٌ‏:‏ وقد رَوَىَ غَيْرُ أبي خالِدٍ عن الأعمَشِ مِثْلَ رِوَايَةِ أبي خَالِدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ورَوَى أبو مُعاوِيةَ وغَيْرُ واحِدٍ هذا الحَديثَ عن الأعْمَشِ عن مُسْلِمِ البَطِين عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْر عن ابنِ عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يذكُرُوا فيه سَلَمَة بن كُهَيْلٍ ولا عَن عَطاءٍ ولا عَنْ مُجَاهِدٍ‏.‏ واسم أبي خالد سليمان بن حبّان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومسلم البطين‏)‏ بفتح الموحدة وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم نون ثقة من رجال الأئمة الستة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جاءت امرأة‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ جاء رجل ‏(‏فقالت إن أختي ماتت‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين وفي رواية للشيخين‏:‏ وعليها صوم نذر، وفي رواية للبخاري‏:‏ وعليها صوم شهر، وفي رواية له‏:‏ وعليها خمسة عشر يوماً‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة والذي يظهر تعدد الواقعة وأما الاختلاف في كون السائل رجلاً أو امرأة والمسئول عنه أختاً أو أماً فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث ‏(‏أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه‏)‏ فيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه ‏(‏قال فحق الله أحق‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فدين الله أحق أن يقضى، وفي رواية للشيخين أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فصومي عن أمك‏.‏ والحديث فيه دليل على أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه، وهو قول أصحاب الحديث وهو المرجح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن بريدة وابن عمر وعائشة‏)‏ أما حديث بريدة فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عنه قال‏:‏ بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، فقال ‏"‏وجب أجرك وردها عليك الميراث‏"‏، قالت‏:‏ يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر فأصوم عنها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏صومي عنها‏"‏الحديث‏.‏ وأما حديث ابن عمر فلم أقف على من أخرجه في الصوم عن الميت‏.‏ وأما حديثه في الإطعام عن الميت فأخرجه الترمذي في الباب الاَتي وسيجيء ما فيه من الكلام، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وغيرهما عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من مات وعليه صيام صام عنه وليه‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى أبو معاوية وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش الخ‏)‏ أخرجه البخاري في صحيحه‏.‏

490- باب ما جَاء في الكَفارة

711- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْثرٌ ‏(‏بن القاسم‏)‏ عن أشْعَثَ عن محمدٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏مَنْ مَاتَ وعليهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكانَ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِيناً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عُمَرَ لا نَعْرِفُهُ مرفُوعاً إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏ والصحيحُ عِن ابنِ عُمَرَ مَوْقوفٌ‏.‏ قولُهُ واختلفَ أهلُ العِلم في هذا الباب‏.‏ فقالَ بعضُهم يُصَامُ عن المَيّتِ، وبهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ قالا‏:‏ إذا كان على المَيّتِ نَذْرُ صِيَامٍ يصوم عَنْهُ، وإذا كانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عنهُ‏.‏

وقالَ مالِكٌ وسفيانٌ والشافعيٌ لا يَصَومُ أحَدٌ عن أَحَدٍ‏.‏ قال‏:‏ وأَشْعَثُ هو ابنُ سَوّارٍ‏.‏ ومحمدٌ هو مسند ابنُ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبثر‏)‏ بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح المثلثة ابن القاسم الزبيدي بالضم أبو زبيد كذلك الكوفي ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فليطعم عنه‏)‏ على بناء الفاعل أي فليطعم ولي من مات ‏(‏مكان كل يوم‏)‏ من أيام الصيام الفائتة ‏(‏مسكيناً‏)‏ كذا وقع بالنصب في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، ووقع في كتاب المشكاة مسكين بالرفع، وعلى هذا يكون قوله ‏"‏فليطعم‏"‏ على بناء المجهول، ولم يبين في هذا الحديث مقدار الطعام وقد جاء في رواية البيهقي أنه مد من الحنطة وستجيء فأنتظر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه‏.‏ والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله‏)‏ قال الحافظ في التلخيص بعد نقل قول الترمذي هذا ما لفظه‏:‏ رواه ابن ماجه من هذا الوجه ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمَن وهو وهم منه أو من شيخه وقال الدارقطني‏:‏ المحفوظ وقفه على ابن عمر وتابعه البيهقي على ذلك انتهى‏.‏ وقال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى‏.‏ وقال الدارقطني في علله‏:‏ المحفوظ موقوف هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر‏.‏ وقال البيهقي في المعرفة‏:‏ لا يصح هذا الحديث فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر قوله ثم أخرجه عن عبيد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ من مات وعليه صيام رمضان فليطعم عنه كل يوم مسكيناً مداً من حنطة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم‏:‏ يصام عن الميت، وبه يقول أحمد وإسحاق قالا إذا كان على الميت نذر صيام يصام عنه، وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه‏)‏ وهو قول الليث وأبو عبيد، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب فإن قوله فيه‏:‏ وعليها صوم شهرين متتابعين يقتضي أنه لم يكن عليها صوم شهر رمضان، بل كان عليها صوم النذر، بل قد وقع في رواية للشيخين‏:‏ وعليها صوم نذر، وقد جاء في رواية أحمد وغيره بيان سبب النذر بلفظ‏:‏ إن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهراً، فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال‏:‏ ‏"‏صومي عنها‏"‏‏.‏ وحملوا العموم الذي في حديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه على المقيد في حديث ابن عباس‏.‏

وفيه أنه ليس بين حديث ابن عباس وحديث عائشة تعارض حتى يجمع بينهما فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره‏:‏ فدين الله أحق أن يقضى ‏(‏وقال مالك وسفيان والشافعي لا يصوم أحد عن أحد‏)‏ وهو قول الحنفية واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب، وفيه أنه قد تقدم أن المحفوظ أنه موقوف، وللاجتهاد فيه مسرح فلا يصلح للاستدلال، ثم ليس فيه ما يمنع الصيام‏.‏

فإن قلت‏:‏ روى مالك بلاغاً أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد‏؟‏ فيقول‏:‏ لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن احد ففيه ما يمنع الصيام‏.‏

قلت‏:‏ قد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك كما ذكره البخاري تعليقاً وسيجيء فاختلف قوله على أنه موقوف أيضاً، والحديث الصحيح أولى بالاتباع‏.‏

واستدلوا أيضاً بما روى النسائي في الكبرى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وبما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت‏:‏ يطعم عنها‏.‏ وعن عائشة قالت‏:‏ لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم، أخرجه البيهقي‏.‏

قالوا فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه، وفيه أن هذا الاستدلال أيضاً مخدوش، أما أولاً فلأنه جاء عن ابن عباس خلاف ذلك، فروى ابن أبي شيبة بسند صحيح سند ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر فقال يصام عنه النذر، وفي صحيح البخاري تعليقاً‏.‏ أمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة فقال‏:‏ صلى عنها‏.‏ وقال ابن عباس نحوه‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ والنقل في هذا عن ابن عباس مضطرب‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حق من مات والنفي في حق الحي انتهى‏.‏ وأما أثر عائشة الأول فليس فيها ما يمنع الصيام، وأما أثرها الثاني فضعيف جداً كما صرح به الحافظ في الفتح، وأما ثانياً فلأن الراجح أن المعتبر ما رواه الصحابي لا ما رآه كما تقرر في مقره‏.‏

تنبيه‏:‏

ذكر الترمذي في هذا الباب قولين، وفيه قول ثالث وهو أنه يجوز للولي أن يصوم عن الميت إذا مات وعليه صوم، أي صوم كان‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قد اختلف السلف في هذه المسألة فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال البيهقي في الخلافيات‏:‏ هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي كل ما قلت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، فخذوا بالحديث ولا تقلدوني، ثم ذكر الحافظ القولين اللذين ذكرهما الترمذي‏.‏

قلت‏:‏ هذا القول الثالث الذي قال به أهل الحديث هو الراجح المعول عليه عندي، يدل عليه حديث ابن عباس وحديث بريدة وحديث عائشة، وهذه الأحاديث الثلاثة قد تقدمت في الباب المتقدم‏.‏

491- باب ما جَاءَ في الصّائِم يَذْرَعُهُ الَقْيء

‏(‏باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء‏)‏ أي يغلبه‏.‏

712- حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحارِبيّ حدثنا عبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبيه عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيّ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصّائِمَ‏:‏ الحِجَامَةُ والقَيْء والاحْتِلاَمُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي سعيدٍ الخُدرِي حديث غَيْر مَحْفوظٍ‏.‏

وقد رَوَى عبدُ الله بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ وعبدُ العزيرِ بنُ محمدٍ وغَيْرُ واحدٍ هذا الحديثَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ مُرْسَلاً ولم يَذْكُرُوا فيهِ ‏(‏عن أبي سعيدٍ‏)‏‏.‏ وعبدُ الرحمَنِ بنُ زيْدِ بنِ أسْلَمَ يُضَعّفُ في الحديثِ قال‏:‏ سَمِعْتُ أبا دَاوُدَ السّجْزِيّ يقولُ‏:‏ سأَلْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ عن عبدِ الرحمَن بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَم‏؟‏ فقال‏:‏ أخوهُ عبدُ الله بنُ زَيْدٍ لا بَأسَ بهِ قال‏:‏ وسَمْعتُ محمداً يَذْكُرُ عن عَلِي بنِ عبدِ الله المديني قالَ‏:‏ عبدُ الله بنُ زَيْدِ بن أسْلَمَ ثِقَةٌ‏.‏ وعبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ ضعيفٌ‏.‏ قال محمدٌ‏:‏ ولا أَرْوِي عنْهُ شيئاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن عبيد‏)‏ بضم العين مصغراً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثلاث‏)‏ أي ثلاث خصال ‏(‏لا يفطرن‏)‏ من التفطير ‏(‏الحجامة‏)‏ بكسر الحاء أي الاحتجام ‏(‏والقيء‏)‏ أي إذا غلبه‏.‏ قال البيهقي في المعرفة‏:‏ هو محمول على ما ما لو ذرعه القيء جمعاً بين الأخبار انتهى ‏(‏والاحتلام‏)‏ أي ولو تذكر المنام ورأى المنى لأنه وإن كان في معنى الجماع لكن حيث أنه ليس باختياره لا يضره بالإجماع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي سعيد غير محفوظ الخ‏)‏ وأخرجه البيهقي ‏(‏ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد‏)‏ ورواه أبو داود عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورجحه أبو حاتم وأبو زرعة وقال إنه أصح وأشبه بالصواب كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت أبا داود السجزي‏)‏ قال العراقي‏:‏ يريد أبا داود السجستاني صاحب السنن فإنه روى عنه‏.‏ قال ابن مأكولا السجزي نسبة إلى سجستان على غير قياس، كذا في قوت المغتذي‏.‏ وقال في المغنى‏:‏ السجزي بمكسورة وسكون جيم وبزاي نسبة إلى السجز وهو اسم لسجستان وقيل نسبة إلى سجستان بغير قياس انتهى‏.‏ ‏(‏فقال أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به‏)‏ يعني وعبد الرحمَن بن زيد بن أسلم ضعيف‏.‏ اعلم أن لزيد بن أسلم ثلاثة بنين عبد الله وعبد الرحمَن وأسامة فعند أحمد عبد الله ثقة والاَخران ضعيفان، وعند يحيى بن معين بنو زيد كلهم ضعيف ‏(‏وسمعت محمداً‏)‏ هو الإمام البخاري ‏(‏يذكر عن علي بن عبد الله‏)‏ هو ابن المديني‏.‏

492- باب ما جَاءَ في من اسْتَقَاءَ عَمْدا

713- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا عيسى بنُ يونُسَ عن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن محمد ابنِ سيرينَ عن أبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَيْسَ عليهِ قَضَاءٌ ومَنِ استْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي الدّرْدَاءِ وثَوْبَانَ وفَضَاَلَة بنِ عُبَيْدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ مِنْ حديثِ هِشَامٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ مِنْ حديثِ عيسى بنِ يونُسَ‏.‏ وقالَ محمدٌ‏:‏ لا أَراهُ مَحْفُوظاً‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يَصحّ إسْنَادُهُ‏.‏ وقد رُوِيَ عن أبيِ الدّرْدَاء وثَوْبَانَ وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَأَفْطَرَ‏.‏

وإنّما مَعْنَى هذا أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ صَائِماً مُتَطَوّعاً فَقَاءَ فَضَعُفَ فأَفْطَر لذَلِكَ‏.‏ هكذا رُوِيَ في بعضِ الحديثِ مُفَسّراً‏.‏

والعملُ عندَ أَهْلِ العلمِ على حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ الصّائِمَ إذا ذَرَعَهُ القَيْءُ فلا قَضَاءَ عليهِ، وإذا اسْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ‏.‏ وبهِ يقولُ سفيانُ الثّوْرِيّ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن ذرعة القيء‏)‏ بالذال المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج ‏(‏فليس عليه قضاء‏)‏ لأنه لا تقصير منه ‏(‏ومن استقاء عمداً‏)‏ أي من تسبب لخروجه قصداً ‏(‏فليقض‏)‏ قال ابن الملك‏:‏ والأكثر على أنه لا كفارة عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان‏)‏ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي عن معدان بن طلحة أن أبا الدراداء حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال‏:‏ صدق وأنا صببت له وضوءه ‏(‏وفضالة بن عبيد‏)‏ أخرجه ابن ماجه بلفظ‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم في يوم كان يصومه فدعا بإناء فشرب فقلنا يا رسول الله إن هذا يوم كنت تصومه قال أجل ولكني قئت‏.‏ وفي الباب عن ابن عمر موقوفاً عند مالك في الموطأ والشافعي بلفظ‏:‏ من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن غريب‏)‏ أخرجه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطني كذا في بلوغ المرام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال محمد‏)‏ هو البخاري ‏(‏لا أراه‏)‏ بضم الهمزة أي لا أظنه‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الضمير راجع إلى الحديث وهو عبارة عن كونه منكراً انتهى‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ ليس من ذا شيء‏.‏ قال الخطابي‏:‏ يريد أن الحديث غير محفوظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هكذا روي في بعض الحديث مفسراً‏)‏ قال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ والحديث المفسر الذي أشار إليه الترمذي رواه ابن ماجه من حديث أبي مرزوق قال‏:‏ سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فذكر الحديث وقد تقدم لفظه آنفاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول أبي حنيفة، ففي الموطأ للإمام محمد أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يقول‏:‏ من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه شيء‏.‏ قال محمد‏:‏ وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة‏.‏

493- باب ما جَاءَ في الصّائِم يأْكُلُ أو يَشْرَبُ ناسِيا

714- حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشجّ حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ عن حَجّاجٍ بن أرطأة عن قَتادَةَ عن ابنِ سِيريِنَ عن أبي هريرةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيا فلا يُفْطِرْ فإِنّمَا هُو رِزْقّ رَزَقَهُ الله‏"‏‏.‏

715- حدثنا أَبو سَعِيدٍ الأشج حدثنا أبو أُسَامَةَ عن عَوْف عن ابنِ سِيريِنَ و خَلاّسٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ أَو نَحْوَهُ‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وأُمّ إسحاقَ الغَنَوِيّةِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أكثَرِ أهلِ العلمِ‏.‏ وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ والشافِعِيّ وأَحمدُ وإسحاقُ‏.‏

وقالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ‏:‏ إذا أَكَلَ في رمَضَانَ ناسِياً فَعَلَيْهِ القَضَاءُ‏.‏ والقول الأوّلُ أَصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد وأم إسحاق الغنوية‏)‏ أما حديث أبي سعيد فلم أقف عليه، وأما حديث أم إسحاق فأخرجه أحمد بلفظ‏:‏ أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين‏:‏ الاَن بعد ما شبعت‏؟‏ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أتمي صومك فإنما هو رزق ساق الله إليك‏"‏ انتهى‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره، قال ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، قال لا بأس، قال ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم قال دخلت على آخر فنسيت فطعمت قال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول أبي حنيفة، فهؤلاء كلهم يقولون إن من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة واحتجوا بحديث الباب ‏(‏وقال مالك بن أنس‏:‏ إذا أكل في رمضان ناسياً فعليه القضاء‏)‏ وأجاب بعض المالكية عن حديث الباب بأنه محمول على صوم التطوع‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ احتج به من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة، لأن المطلوب صيام يوم لا حزم فيه، لكن روى الدارقطني فيه سقوط القضاء وهو لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته فإن صح وجب الأخذ به وسقط القضاء انتهى‏.‏ وقال المهلب وغيره‏:‏ لم يذكر في الحديث إثبات القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها انتهى‏.‏

والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ‏:‏ من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة، فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء ذكره الحافظ في فتح الباري، وقال بعد ذكر طرق هذا الحديث‏:‏ فأقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضاً بأنه قد أتي به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ فالنسيان ليس من كسب القلب انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والأول أصح‏)‏ أي القول الأول أصح من قول مالك وتقدم وجه كونه أصح آنفاً‏.‏

494- باب ما جَاءَ في الإفطارِ مُتَعَمّدا

‏(‏ت‏:‏ 72‏)‏ 716- حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بنُ سَعِيد و عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي قالا‏:‏ حدثنا سُفْيَانُ عن حَبيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ، حدثنا أبو المُطَوّسِ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَنْ أفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ منْ غَيْرِ رُخْصَةٍ ولا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عنهُ صَوْمُ الدّهْرِ كُلّهِ وإنْ صَامَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ لا نعرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏ وسَمِعْتُ محمداً يقولُ‏:‏ أبو المُطَوّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ المُطَوّسِ ولا أعْرِفُ لهُ غَيْرَ هذا الحديثِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا المطوس‏)‏ بكسر الواو المشددة هو يزيد، وقيل عبد الله بن المطوس لين الحديث كذا في التقريب ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو المطوس قال في التقريب‏:‏ المطوس بتشديد الواو المكسوره، ويقال أبو المطوس عن أبي هريرة مجهول من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من غير رخصة‏)‏ كسفر ‏(‏ولا مرض‏)‏ أي مبيح للإفطار، من عطف الخاص على لعام ‏(‏لم يقض عنه صوم الدهر كله‏)‏ أي صومه، فالإضافة بمعنى في نحو مكر الليل، وكله للتأكيد ‏(‏وإن صامه‏)‏ أي ولو صام الدهر كله‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أي لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد، وهذا على طريق المبالغة والتشديد، ولذلك أكده بقوله ‏"‏وإن صامه‏"‏ أي حق الصيام قال ابن الملك‏:‏ وإلا فالإجماع على أنه يقضي يوماً مكانه، وقال ابن حجر‏:‏ وما اقتضاه ظاهره أن صوم الدهر كله بينة القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزئه قال به علي وابن مسعود والذي عليه أكثر العلماء يجزئه وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ قال البخاري في صحيحه‏:‏ ويذكر عن أبي هريرة رفعه‏:‏ من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه‏.‏ وبه قال ابن مسعود‏.‏ وقال سعيد بن المسيب وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد‏:‏ يقضي يوماً مكانه انتهى‏.‏ وذكر الحافظ في الفتح من وصل هذه الآثار قال وصله يعني أثر ابن مسعود للطبراني والبيهقي بإسناد لهما عن عرفجة قال قال عبد الله بن مسعود‏:‏ من أفطر يوماً في رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طوال الدهر لم يقبل منه، وبهذا الإسناد عن علي مثله انتهى‏.‏ وقال أبو هريرة بمثل قول ابن مسعود رضي الله عنه كما سيجيء، فظهر أن ما ادعى ابن الملك من أن الإجماع على أنه يقضي يوماً مكانه ليس بصحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏)‏ أخرجه أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وسمعت محمداً يقول‏:‏ أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث‏)‏ وقال البخاري في التاريخ‏:‏ تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً فحصلت فيه ثلاث علل الاضطراب والجهل بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه عن أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء‏.‏ وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمَن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفاً انتهى كلام الحافظ‏.‏

495- باب ما جاءَ في كَفّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضَان

717- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي الجَهْضَمِيّ و أَبو عَمّارٍ ‏(‏والمَعْنَى واحِدٌ والّلفْظُ لَفْظُ أبي عَمّارٍ‏)‏ قال‏:‏ أَخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ ‏"‏أتَاهُ رَجُلٌ فقالَ‏:‏ يا رسولَ الله هلَكْتُ، قالَ‏:‏ ‏"‏وما أَهْلَكَكَ‏؟‏ قال‏:‏ وَقَعْتُ على امْرأَتِي في رَمَضَانَ، قال‏:‏ هل تَسْتَطِيعُ أَن تعْتِقَ رَقَبَةً‏؟‏ قال‏:‏ لا، قالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏؟‏ قالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِيناً‏؟‏ قال‏:‏ لا، قالَ‏:‏ اجْلِسْ فَجَلسَ، فَأُتِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، والعَرَقُ المِكْتَلُ الضّخْمُ، قال‏:‏ تَصَدّقْ بِه، فقالَ‏:‏ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنّا، قال‏:‏ فَضَحِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قال‏:‏ فخُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ‏"‏ قال‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وعائِشَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ في مَنْ أفْطَرَ في رَمَضَانَ مُتَعَمّداً مِنْ جِمَاعٍ‏.‏ وأمّا مَنْ أفْطَرَ مُتَعَمّداً مِنْ أَكْلٍ أو شُرْبٍ فإِنّ أهلَ العلمِ قد اخْتَلَفُوا في ذلكَ، فقالَ بعضُهُم‏:‏ عليهِ القَضَاءُ والكَفّارةُ، وشبهُوا الأكْلَ والشّرْبَ بالجِمَاعِ‏.‏ وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَارَكِ وإسحاقَ‏.‏

وقال بعضُهُم‏:‏ عليهِ القَضَاءُ ولا كَفّارَةَ عليهِ، لأنّهُ إِنّما ذُكِرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الكَفّارةُ في الجِمَاعِ ولمُ تذكر عنهُ في الأكْلِ والشّرْبِ، وقالوا‏:‏ لا يُشْبِهُ الأكْلُ والشّرْبُ الجِمَاعَ‏.‏ وهُوَ قَوْلُ الشافعيّ وأحمدَ‏.‏ وقال الشافعيّ‏:‏ وقَوْلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم للرّجُلِ الذي أَفْطَرَ فَتَصَدّقَ عليهِ ‏"‏خُذْهُ فأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ‏"‏ يَحْتَمِلُ هذا مَعانِيَ، يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ الكَفّارَةُ على مَنْ قَدَرَ عليها، وهذا رَجُلٌ لَمْ يَقدِرْ على الكَفّارَةِ فَلمّا أعْطَاهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً ومَلَكَهُ فقال الرجُلُ ‏"‏ما أَحَدٌ أفْقَرَ إليهِ مِنّا‏"‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏خُذْهُ فأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ‏"‏ لأنّ الكَفّارَةَ إنّما تكونُ بعدَ الفَضْلِ عن قُوتِهِ‏.‏ واختارَ الشافعيّ لِمَنْ كانَ على مِثْلِ هذا الحالِ أنْ يَأْكُلهُ، وتكُونَ الكَفّارَةُ عليهِ دَيْناً فمَتَى ما مَلَكَ يَوْماً ما كَفّرَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أتاه رجل‏)‏ وفي رواية للبخاري وغيره‏:‏ بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، قال الحافظ‏:‏ لم أقف على تسميته إلا أن عبد الغني في المبهمات وتبعه ابن بشكوال جزماً بأنه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي ‏(‏فقال يا رسول الله‏)‏ وقع في رواية‏:‏ جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول‏:‏ هلك الأبعد، وفي رواية يلطم وجهه، وفي رواية‏:‏ ويحثى على رأسه التراب‏.‏ قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات‏:‏ واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول ممن وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة ‏(‏هلكت‏)‏ وفي حديث عائشة احترقت‏.‏ واستدل به على أنه كان عامداً لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع، وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي‏.‏ وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناس وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناس وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل يترك منزلة العموم في القول كما اشتهر‏.‏

والجواب‏:‏ أنه قد تبين حاله بقوله‏:‏ هلكت واحترقت، فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد‏.‏ ‏(‏وقعت على امرأتي في رمضان‏)‏ وفي حديث عائشة وطئت امرأتي ‏(‏قال هل تستطيع أن تعتق رقبة‏؟‏‏)‏ أي عبداً أو أمة ‏(‏قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟‏ قال‏:‏ لا قال‏:‏ فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً‏؟‏ قال‏:‏ لا‏)‏ قال القاضي وكذا في شرح السنة‏:‏ رتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني فدل على الترتيب‏.‏ وقال مالك بالتخيير فإن المجامع مخير بين الخصال الثلاث عنده قال ابن حجر‏:‏ الكفارة مرتبة ككفارة الظهار المذكورة في سورة المجادلة، وهو قول الشافعي والأكثرين‏.‏ وقال مالك إنها مخيرة كالكفارة المذكورة في سورة المائدة لرواية أبي داود أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً‏.‏

وأجابوا بأن ‏"‏أو‏"‏ كما لا تقتضي الترتيب لا تمنعه كما بينته الروايات الأخر، وحينئذ فالتقدير ‏"‏أو‏"‏ يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عن الصوم، ورواتها أكثر وأشهر فقد رواها عشرون صحابياً وهي حكاية لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ورواة هذا اثنان وهو لفظ الراوي انتهى كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ لا شك أن رواة الكفارة مرتبة أكثر، وأما إنها رواها عشرون صحابياً ففيه نظر‏.‏ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري‏:‏ وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخير إلى أن قال‏:‏ بل روى الترتيب تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، قال ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط لأن الأخذ به مجزي سواء قلنا بالتخيير أو لا بخلاف العكس انتهى كلام الحافظ‏.‏ والحاصل أن القول بالترتيب هو الراجح المعول عليه ‏(‏بعرق‏)‏ بفتحتين ‏(‏والعرق المكتل‏)‏ بكسر الميم أي الزنبيل ‏(‏الضخم‏)‏ بسكون الخاء أي العظيم، وفي حديث علي عند الدارقطني‏:‏ تطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مد، وفيه فأتى بخمسة عشر صاعاً فقال أطعمه ستين مسكيناً، وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، وقد جاء في بيان مقدار ما في المكتل من التمر روايات مختلفة وبرواية على هذه يحصل الجمع بينها كما ذكره الحافظ في الفتح ‏(‏قال فتصدق به‏)‏ أي على الفقراء ‏(‏فقال‏)‏ أي الرجل ‏(‏ما بين لابتيها‏)‏ أي المدينة‏.‏

496- باب ما جَاءَ في السّوَاكِ للصّائِم

718- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي، حدثنا سُفْيَانُ عن عاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عن عبدِ الله بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ عن أبيهِ قال ‏"‏رأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما لا أُحْصِي يَتَسَوّكُ وهو صَائِمٌ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عائِشَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ حديثٌ حسنٌ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ بالسّواكِ للصّائِمِ بَأْساً إلاّ أن بعضَ أهلِ العلمِ كَرِهُوا السّوَاكَ للصّائِمِ بالْعُودِ الرّطْبِ وكَرِهُوا لَهُ السّوَاكَ آخِرَ النّهارِ‏.‏ ولَمْ يَرَ الشافعيّ بالسّوَاكِ بَأْساً أَوّلَ النهَارِ و لا آخِرَهُ‏.‏ وكَرِهَ أحمدُ وإسحاقُ السّوَاكَ آخِرَ النّهَارِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عاصم بن عبيد الله‏)‏ بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ضعيف من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما لا أحصى‏)‏ أي مقداراً لا أقدر على إحصائه وعده لكثرته ‏(‏يتسوك‏)‏ مفعول ثان لأنه خبر على الحقيقة ‏"‏وما‏"‏ موصوفة ‏"‏ولا أحصى‏"‏ صفتها وهي ظرف ليتسوك مرات لا أقدر على عدها‏.‏ قاله الطيبي قال ميرك‏:‏ ولعله حمل الرؤية على معنى العلم، فجعل يتسوك مفعولاً ثانياً، ويحتمل أن تكون بمعنى الإبصار ويتسوك حينئذ حال، وقوله ‏(‏وهو صائم‏)‏ حال أيضاً إما مترادفة وإما متداخلة، كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة‏)‏ أخرجه ابن ماجه والدارقطني بلفظ‏:‏ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خير خصال الصائم السواك‏"‏ ‏(‏حديث عامر بن ربيعة حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال كنت لا أخرج حديث عاصم ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، وروي يحيى وعبد الرحمَن عن الثوري عنه، وروى مالك عنه خبراً في غير الموطأ‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري وغير واحد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأساً‏)‏ قبل الزوال وبعده، رطباً كان السواك أو يابساً‏.‏ وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي على ما حكى عنه الترمذي، واحتجوا بحديث الباب وبحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي وبحديث أبي هريرة‏:‏ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، أخرجه النسائي، وبجميع الأحاديث التي رويت في معناه وفي فضل السواك فإنها بإطلاقها تقتضي إباحة السواك في كل وقت وعلى كل حال وهو الأصح والأقوى ‏(‏إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب‏)‏ كالمالكية والشعبي فإنهم كرهوا للصائم الاستياك بالسواك الرطب لما فيه من الطعم، وأجاب عن ذلك ابن سيرين جواباً حسناً، قال البخاري في صحيحه‏:‏ قال ابن سيرين‏:‏ لا بأس بالسواك الرطب، قيل له طعم، قال والماء له طعم وأنت تمضمض به انتهى‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ لا بأس أن يستاك الصائم بالسواك الرطب واليابس رواه ابن أبي شيبة، قلت هذا هو الأحق، لأن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شيء وذلك الشيء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك والله تعالى أعلم‏.‏ ‏(‏وكرهوا له السواك آخر النهار‏)‏ واحتجوا على ذلك بأن في الاستياك آخر النهار إزالة الخلوف المحمود بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏"‏‏.‏

وأجيب بأن الخلوف بضم الخاء المعجمة على الصحيح تغير رائحة الفم من خلو المعدة وذلك لا يزال بالسواك‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب، ولهذا روى عن معاذ مثل ما قلنا، روى الطبراني عن عبد الرحمَن بن غنم قال‏:‏ سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم‏:‏ قال نعم قلت‏:‏ أي النهار شئت غدوة وعشية، قلت‏:‏ إن الناس يكرهونه عشية ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏؟‏‏"‏ فقال‏:‏ سبحان الله، لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كار الذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بداً انتهى‏.‏

قلت‏:‏ إسناد هذا الأثر جيد كما صرح به الحافظ في التلخيص الحبير‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ وكذا الغبار في سبيل الله لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، إنما يؤجر عليه من اضطر إليه ولم يجد عنه محيصاً فأما من ألقى نفسه عمداً فما له في ذلك من الأجر شيء‏"‏‏.‏ قيل‏:‏ فيدخل في هذا أيضاً من تكلف الدوران تكثيراً للمشي إلى المساجد نظراً إلى قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ وكثرة الخطا إلى المساجد قال‏:‏ وفي المطلوب أحاديث مضعفة منها ما رواه البيهقي عن ابراهيم بن عبد الرحمَن حدثنا إسحاق الخوارزمي قال‏:‏ سألت عاصم الأحول أيستاك الصائم بالسواك الرطب‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أتراه أشد رطوبة من الماء‏؟‏ قلت‏:‏ أول النهار وآخره‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قلت‏:‏ عمن رحمك الله‏؟‏ قال‏:‏ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروى ابن حبان عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك آخر النهار، وهذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله‏:‏ قلنا‏.‏ كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه مع عمومات الأحاديث الواردة في فضل السواك‏.‏

وأما ما روى الطبراني عنه عليه الصلاة والسلام‏:‏ إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة ولا تستاكوا بالعشى فإن الصائم إذا يبست شفتاه كانت له نوراً يوم القيامة، فحديث ضعيف لا يقاوم ما قدمنا انتهى كلام ابن الهمام ملخصاً‏.‏

قلت‏:‏ حديث‏:‏ إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة الخ، رواه الدارقطني والبيهقي من حديث خباب وضعفاه، وروياه أيضاً من حديث علي وضعفاه أيضاً، قاله الحافظ في التلخيص وقال فيه‏:‏ وأخرج الدارقطني من طريق عمر بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فالقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏"‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الحديث أيضاً ضعيف فإن عمر بن قيس متروك، قال في التقريب‏:‏ عمر بن قيس المكي المعروف بسندل متروك من السابعة انتهى‏.‏ وقال في الخلاصة‏:‏ في ترجمته عن عطاء وعنه ابن عيينة وابن وهب قال البخاري منكر الحديث انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم ير الشافعي بالسواك بأساً أول النهار وآخره‏)‏ كذا حكى الترمذي عن الشافعي، والمشهور عنه أنه كان يكره السواك بعد الزوال‏.‏

497- باب ما جَاءَ في الكُحْلِ للِصّائِم

719- حدثنا عبدُ الأعْلَى بنُ وَاصِلٍ الكوفي حدثنا الحسَنُ بنُ عَطِيّةَ، حدثنا أبو عَاتِكَةَ عن أَنَسِ بن مالِكٍ قال ‏"‏جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اشْتَكَتْ عَيْنَي أفَأَكْتَحِلُ وأنا صَائِمٌ‏؟‏ قال‏:‏ نَعَمْ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي رَافِعٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أنَسٍ حديثٌ ليس إسْنَاده بالقوِيّ ولا يَصِحّ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ شَيْءٌ‏.‏ وأبُو عَاتِكَةَ يُضَعّفُ‏.‏

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلمِ في الكُحْلِ للصّائِمِ، فكَرِهَهُ بعضُهمُ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وابنِ المبَارَكِ وأَحمدَ وإسحاقَ‏.‏ ورَخّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في الكُحْلِ للصّائِمِ، وهو قولُ الشّافِعيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الأعلى بن واصل‏)‏ بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي ثقة من كبار العاشرة ‏(‏أخبرنا الحسن بن عطية‏)‏ بن نجيح القرشي أبو علي البزاز صدوق من التاسعة ‏(‏أخبرنا أبو عاتكة‏)‏ مجمع على ضعفه وسيجيء ترجمته ‏(‏قال اشتكت عيني‏)‏ بالتشديد‏:‏ وفي نسخة بالتخفيف، أي أشكو من وجع عيني، قاله القاري ‏(‏قال نعم‏)‏ فيه جواز الاكتحال بلا كراهة للصائم، وبه قال الأكثرون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي رافع‏)‏ أخرجه البيهقي من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده بلفظ‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو صائم‏.‏ قال ابن أبي حاتم عن أبيه هذا حديث منكر، وقال في محمد إنه منكر وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر وسنده مقارب، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الصيام له من حديث ابن عمر أيضاً ولفظه‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مملؤتان من الإئمد وذلك في رمضان وهو صائم، ذكره الحافظ في التلخيص، قال‏:‏ ورواه أبو داود من فعل أنس ولا بأس بإسناده‏.‏ قال‏:‏ وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني الأوسط وعن ابن عباس في شعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيد انتهى‏.‏ وفي الباب أيضاً عن عائشة قالت‏:‏ اكتحل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، أخرجه ابن ماجه عن بقية حدثنا الزبيدي عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، والزبيدي هو سعيد بن أبي سعيد الزبيدي كما هو مصرح في رواية البيهقي وهو ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبو عاتكة يضعف‏)‏ قال في التقريب‏.‏ اسمه طريف بن سليمان أو بالعكس ضعيف وبالغ السليماني فيه من الخامسة‏.‏ وقال في الخلاصة عن أنس وعنه الحسن بن عطية، قال البخاري‏.‏ منكر الحديث انتهى، وقال في الميزان‏.‏ مجمع على ضعفه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واختلف أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق‏)‏ واستدل لهم بما أخرج أبو داود من طريق عبد الرحمَن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم‏.‏ قال أبو داود‏:‏ قال لي يحيى بن معين‏.‏ هو حديث منكر انتهى‏.‏ قال الزيلعي‏.‏ قال صاحب التنقيح معبد وابنه النعمان كالمجهولين، وعبد الرحمَن بن النعمان قال ابن معين ضعيف، وقال لي أبو حاتم صدوق انتهى‏.‏ فهذا الحديث لا يصلح للاستدلال على كراهة الكحل للصائم وليس في كراهته حديث صحيح ‏(‏ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم، وهو قول الشافعي‏)‏ وهو قول الحنفية، وروى أبو داود في سننه بإسناده هو الأعمش قال‏:‏ ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر انتهى‏.‏ وهذا الأثر سكت عنه أبو داود والمنذري، واستدل لهم بأحاديث الباب وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم وليس في كراهته حديث صحيح، فالراجح هو القول بالجواز من غير كراهة والله تعالى أعلم‏.‏

فإن قلت‏:‏ قد يوجد طعم الكحل في الحلق وقد ورد الفطر مما دخل وليس مما خرج‏.‏

قلت‏:‏ حديث الفطر مما دخل وليس مما خرج مرفوعاً ضعيف، ثم المراد بالدخول دخول شيء بعينه من منفذ إلى الباطن، لا وصول أثر شيء من المسامات إلى الباطن، ولذا لا يفطر شم العطر ونحوه‏.‏

498- باب ما جَاءَ في القُبْلَةِ للصّائِم

720- حدثنا هَنّادٌ و قُتَيْبةُ قالا‏:‏ حدثنا أَبو الأحْوَصِ عن زِيَادِ بنِ عِلاَقَةَ عن عَمْروِ بنِ مَيْمُونٍ عن عائِشَةَ أَن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُقَبّلُ في شَهْرِ الصّوْمِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ وحَفْصةَ وأَبي سَعِيدٍ وأُمّ سَلَمةَ وابنِ عباسٍ وأَنَسٍ وأَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

واخْتَلَفَ أَهلُ العلِمِ مِنْ أَصحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم في القُبْلَةِ للصائِمِ‏.‏ فرَخّصَ بَعْضُ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في القُبْلَةِ للشّيْخِ ولَمْ يُرَخّصُوا للشّابِ مَخَافَةَ أَن لا يَسْلَمَ لَهُ صَوْمُهُ‏.‏ والمُبَاشَرَةُ عندَهُمْ أَشَدّ وقد قالَ بَعْضُ أَهلِ العِلمِ‏:‏ القُبْلَةُ تُنْقِصُ الأجْرَ ولا تُفْطِرُ الصّائِمَ، ورَأَوْا أنّ للصّائِمِ إذا مَلَكَ نَفْسَهُ أَن يُقبّلَ، وإذا لَمْ يَأْمَنْ على نَفْسِهِ تَرَكَ القُبْلَةَ لِيَسْلَمَ لَهُ صَوْمُهُ‏.‏ وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن زياد بن علاقة‏)‏ بكسر العين المهملة وبالقاف ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يقبل في شهر الصوم‏)‏ أي في رمضان، وفي رواية لمسلم‏.‏ يقبل في رمضان وهو صائم‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏.‏ فأشارت عائشة إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر بن الخطاب‏)‏ أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ قال‏:‏ هششت يوماً فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏"‏أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم‏؟‏‏"‏ قلت‏:‏ لا بأس بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ففيم‏؟‏‏"‏ كذا في المنتقى قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث‏.‏ أخرجه أبو داود والنسائي، قال النسائي منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم انتهى ‏(‏وحفصة‏)‏ أخرجه ابن ماجه بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم ‏(‏وأم سلمة‏)‏ أخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ‏(‏وابن عباس‏)‏ أخرجه ابن ماجه بلفظ قال‏:‏ رخص للكبير الصائم في المباشرة وكره للشاب ‏(‏وأنس‏)‏ لينظر من أخرجه ‏(‏وأبي هريرة‏)‏ أبو داود بلفظ‏:‏ أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب انتهى‏.‏ وسكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏ وقال ابن الهمام‏:‏ سنده جيد، كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرخص بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة للشيخ ولم يرخصوا للشاب إلخ‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ فرق قوم بين الشاب والشيخ فكرهها يعني القبلة للشاب وأباحها للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة والاَخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعض أهل العلم‏:‏ القبلة تنقض الأجر ولا تفطر الصائم ورأوا أن الصائم إذا ملك نفسه أن يقبل إلخ‏)‏ قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا‏:‏ ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم‏؟‏ فقال‏:‏ سل هذه، لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال‏:‏ يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له‏.‏ فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء، لأن عمر حينئذ كان شاباً ولعله كان أول ما بلغ‏.‏ وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص‏.‏

وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم فأمر امرأته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسألته فقال‏:‏ إن أفعل ذلك، فقال زوجها يرخص الله لنبيه فيما يشاء، فرجعت فقال أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم‏.‏ وأخرجه مالك لكنه أرسله، قال عن عطاء أن رجلاً فذكر نحوه مطولاً انتهى كلام الحافظ‏.‏ قال قبل هذا‏.‏ قد اختلف في القبلة والمباشرة للصائم، فكره قوم مطلقاً وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة‏.‏ ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالاَن باشروهن‏}‏ الاَية، فمنع من المباشرة في هذه الاَية نهاراً‏.‏

والجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله تعالى وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل على أن المراد بالمباشرة في الاَية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها‏.‏

وأباح القبلة قوم مطلقاً وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحيها انتهى كلام الحافظ‏.‏

قلت‏:‏ أعدل الأقوال عندي ما ذهب إليه سفيان الثوري والشافعي من أن الصائم إذا ملك نفسه جاز له التقبيل وإذا لم يأمن تركه، وبه يحصل الجمع والتوفيق بين الأحاديث المختلفة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد بن الحسن في الموطأ‏:‏ لا بأس بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه بالجماع، فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة قبلنا انتهى‏.‏

499- باب ما جَاءَ في مُبَاشَرَةِ الصائِم

‏(‏باب ما جاء في مباشرة الصائم‏)‏ المباشرة أعم من القبلة، قيل هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل هي القبلة واللمس باليد، قاله القاري‏.‏

721- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا وَكِيعٌ، حدثنا إسرَائيلُ عن أبي إسحاقَ عن أبي مَيْسَرَةَ عن عائِشَةَ قالت ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وكانَ أَمْلَككُم لإرْبِه‏"‏‏.‏

722- حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن إبرَاهِيم عن عَلْقَمةَ و الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يِقُبّلُ وَيُبَاشِرُ وهُوَ صَائِمٌ وكانَ أَمْلَكَكُم لإربِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وأَبُو مَيْسَرَةَ اسْمُهُ عمرُو بنُ شُرَحْبِيلَ‏.‏ ومَعْنَى لإربِه يَعْنِي لِنَفْسِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يباشرني‏)‏ قال النووي‏:‏ معنى المباشرة هنا اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين انتهى ‏(‏وكان أملككم لأريه‏)‏ بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته، ويروي بكسر الهمزة وسكون الراء أي عضوه، والأول أشهر وإلى ترجيحه أشار البخاري من التفسير، كذا في فتح الباري‏.‏

قلت‏:‏ قال البخاري بعد رواية هذا الحديث‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ إرب حاجة، وقال طاؤس ‏(‏غير أولى الإربة‏)‏ الأحمق لا حاجة له في النساء انتهى‏.‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ أي لحاجته تعني أنه كان غالباً لهواه، وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة وبعضهم يرويه بكسر الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان أحدهما أنه الحاجة والثاني أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة انتهى‏.‏ وفي مجمع البحار‏:‏ خدش التفسير بالعضو بأنه خارج عن سنن الأدب انتهى‏.‏ قال النووي‏:‏ معنى كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي صلى الله عليه وسلم في استباحتها لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قبلة يتولى منها إنزال أو شهوة وهيجان نفس ونحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الأنكفاف عنها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ ‏(‏وأبو ميسرة اسمه عمرو بن شرحبيل‏)‏ الكوفي الهمداني ثقة عابد مخضرم ‏(‏ومعنى لأربه يعني لنفسه‏)‏ هذا بيان حاصل المعنى، وقد عرفت أصل معنى لأربه‏.‏

500- باب ما جَاءَ لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللّيْل

723- حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ أخبرنا ابن أبي مَرْيَمَ أخبرنا يَحْيى بنُ أَيوبَ عن عبدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عبدِ الله عن أَبيهِ عن حَفْصَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فلا صِيَامَ لَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ حَفْصَةَ حديثٌ لا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إِلا مِنْ هذا الوجْهِ وقد رُوِيَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَر قَوْلُهُ وهو أَصَحّ‏:‏ وهكذا أيضاً روي هذا الحديث عن الزهري موقوفاً ولا نعلم أحداً رفعه إلاّ يحيى بن أيوب وإِنّمَا مَعْنَى هذا عندَ أهلِ العِلْمِ‏:‏ لا صِيَامَ لِمَن لم يُجْمِعْ الصّيَامَ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ في رَمَضَانَ أَو في قَضَاءِ رَمَضَانَ أو في صيَامِ نَذْرٍ إذا لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ‏.‏

وَأَمّا صِيَامُ التّطَوّعِ فَمُبَاحٌ لَهُ أَن يَنْوِيَهُ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ‏.‏ وهو قَوْلُ الشافعيّ وأَحمدَ وَإسحاقَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من لم يجمع الصيام‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الإجماع إحكام النية والعزيمة أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت وعزمت عليه بمعنى انتهى‏.‏ والمعنى من لم يصمم العزم على الصوم ‏(‏قبل الفجر‏)‏ أي قبل الصبح الصادق ‏(‏فلا صيام له‏)‏ ظاهره أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضاً كان أو نفلاً، وإليه ذهب ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود، وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار وخصصوا هذا الحديث بما روي عن عائشة أنها قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني ويقول‏:‏ ‏"‏أعندك غداء‏؟‏‏"‏ فأقول‏:‏ لا، فيقول‏:‏ ‏"‏إني صائم‏"‏، وفي رواية إني إذن لصائم‏.‏ وإذن للاستقبال وهو جواب وجزاء، كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الباقون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح‏)‏ قال في المنتقى بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ رواه الخمسة، وقال في النيل‏:‏ أخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعاً، وأخرجه أيضاً الدارقطني‏.‏ وقال الحافظ في التلخيص‏:‏ واختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا أدري أيهما أصح يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم لكن الوقف أشبه‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ لا يصح رفعه‏.‏ وقال الترمذي الموقوف أصح‏.‏ ونقل في العلل عن البخاري أنه قال هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب‏.‏ والصحيح عن ابن عمر موقوف‏.‏ وقال النسائي‏:‏ الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ماله عندي ذلك الإسناد‏.‏ وقال الحاكم في الأربعين‏:‏ صحيح على شرط الشيخين‏.‏ وقال في المستدرك‏:‏ صحيح على شرط البخاري‏.‏ قال البخاري‏:‏ رواته ثقات إلا أنه روى موقوفاً‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ أسنده عبد الله بن أبي بكر والزيادة من الثقة مقبولة‏.‏ وقال ابن حزم‏:‏ الاختلاف فيه يزيد قوة‏.‏ وقال الدارقطني‏.‏ كلهم ثقات انتهى كلام الحافظ‏.‏

قال الشوكاني‏:‏ وقد تقرر في الأصول أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة، وإنما قال ابن حزم‏.‏ الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة، لأن من رواه مرفوعاً فقد رواه موقوفاً باعتبار الطرق قال وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول وقد ذكره ابن حبان في الضفعاء‏.‏ وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضاً بلفظ‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من أجمع الصيام من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم‏"‏، وفي إسناده الوافدي انتهى كلام الشوكاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ واستدلوا بحديث الباب وبحديث عائشة المذكور‏.‏ وتقرير الاستدلال بأن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا صيام في حديث الباب نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه إجماع قبل الفجر وهو حديث حفصة المذكور في الباب، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الذات أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية‏.‏ وقد عرفت ما ذهب إليه ابن عمر وجابر بن زيد رضي الله تعالى عنهما ومالك وغيرهم، ولعل حديث عائشة المذكور لم يبلغهم‏.‏ وفي اللمعات‏:‏ والمذهب عندنا يعني الحنفية أنه يجوز صوم رمضان والنفل والنذر المعين بنية من نصف النهار الشرعي، وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيت النية لأنها غير متعينة فلا بد من التعيين في الابتداء، والدليل لنا في الفرض ما روي في السنن الأربعة عن ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم بعد ما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال‏.‏ ‏"‏ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يأكل فليصم‏"‏، وأما حديث حفصة مع أنه قد اختلف في رفعه فمحمول على نفي الكمال انتهى ما في اللمعات‏.‏

قلت‏:‏ أجيب عن رواية ابن عباس بأنه إنما صحت النية في النهار في صورة شهادة الأعرابي برؤية الهلال لأن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدوراً فيخص الجواز بمثل هذه الصورة أعني من انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان وكمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم‏.‏ وأما الاختلاف في رفع حديث حفصة فأجيب عنه بأن الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة‏.‏ وأما حمله على نفي الكمال فغير ظاهر والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة أو إلى نفي الذات الشرعية‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

501- باب ما جَاءَ في إِفْطَارِ الصّائِم المُتطَوّع

724- حدثنا قُتَيْبةُ أبو الأحْوَصِ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن ابنِ أُمّ هانِيءٍ عن أُمّ هانِيءٍ قالت ‏"‏كُنْتُ قَاعِدَةً عندَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فأُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمّ نَاوَلَنِي فشَرِبْتُ مِنْهُ فقلتُ إِنّي أَذْنَبْتُ فاسْتَغْفِر لِي فقال‏:‏ وماذَاك‏؟‏ قالت كُنْتُ صَائِمَةً فأَفْطَرْتُ، فقال‏:‏ أَمِنْ قَضَاءِ كُنْتِ تَقْضِينَهُ‏؟‏ قالت‏:‏ لا قال‏:‏ فلا يَضُرّكِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وعائشةَ‏.‏

725- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو داود، حدثنا شُعْبَةُ قال‏:‏ كُنْتُ أَسْمَعُ سِمَاكَ بنَ حَرْبٍ يقول‏:‏ ‏"‏أَحَدُ ابْنَى أُمّ هَدانِيءٍ حدّثَنِي فَلَقِيتُ أَنا أفْضَلَهُما وكان اسْمُهُ جَعْدَةَ، وكانت أُمّ هَانِيءٍ جَدّتَهُ فَحَدّثَني عن جَدّتِهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخلَ عليها فدَعا بشَرابٍ فَشَرِبَ ثم نَاوَلَها فشَرِبَتْ، فقالت يا رسولَ الله أَمَا إِنّي كُنْتُ صَائِمَةً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الصّائِمُ المُتَطَوّعُ أَمينُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وإنْ شَاءَ أَفْطَرَ‏"‏‏.‏

قال شُعْبَةُ‏:‏ قلتُ له‏:‏ أَأنتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ أُمّ هانِيءٍ‏؟‏ قال‏:‏ لا أخْبَرَنِي أبو صَالحٍ وأَهْلُنَا عن أُمّ هَانِيءٍ‏.‏

ورَوَى حَمّادُ بنُ سَلَمةَ هذا الحديثَ عن سِمَاكٍ بن حرب، فقال عن‏:‏ هارونَ بنِ بنْتِ أمّ هَانِيءٍ عنْ أمّ هَانِيءٍ‏.‏ وروَايَةُ شُعْبَةَ أَحْسَنُ‏.‏ هكذا حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ عن أبي داودَ، فقال ‏"‏أمينُ نَفْسِهِ‏"‏ وحدثنا غَيْرُ محمودٍ عن أبي داودَ فقالَ ‏"‏أمِيرُ نَفْسِهِ أَو أَمِينُ نَفْسِهِ‏"‏ على الشّكّ‏.‏ وهكذا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن شُعْبَةَ ‏"‏أَمِين نَفْسِهِ أَو أَمِير نَفْسِهِ‏"‏ على الشكّ‏.‏

قال‏:‏ وحديثُ أُمّ هَانِيءٍ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ والعملُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيرِهِمْ‏:‏ أَنّ الصّائِمَ المُتَطَوّعَ إذا أفطر فلا قَضَاءَ عليهِ إلاّ أنْ يُحِبّ أَنْ يقْضِيَهُ‏.‏ وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثوريّ وأَحمدَ وإسحاقَ والشافعيّ‏.‏

726- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ، عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيى، عن عَمّتِهِ عائشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عائِشَةَ أمّ المُؤْمِنِينَ قالت‏:‏ ‏"‏دَخَلَ عليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً فقال هَلْ عِنْدَكُم شَيْءٌ قالت‏:‏ قلت‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏"‏فإِنّي صَائِمٌ‏"‏‏.‏

727- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا بِشْرُ بنُ السّرِيّ عن سُفْيَان عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيى عن عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عائِشَةَ أُمّ المؤْمِنِينَ قالت‏:‏ ‏"‏إن كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي فيقولُ أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ‏؟‏ فَأَقُولُ‏:‏ لا، فيقولُ‏:‏ إنّي صَائِمٌ‏:‏ قالَت‏:‏ فأَتَانِي يَوْماً فقلتُ يا رسولَ الله إنّهُ قد أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيّةٌ، قال‏:‏ وما هِيَ‏؟‏ قالت قلت‏:‏ حَيْسٌ، قال‏:‏ أَمَا إنّي قد أَصْبَحْتُ صَائِماً، قالت‏:‏ ثم أَكَلَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن أم هانئ‏)‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ هارون بن أم هانئ، ويقال ابن أم هانئ، ويقال ابن بنت أم هانئ والثالث وهم، روى حديثه سِمَاك بن حرب عنه عن أم هانئ مرفوعاً‏:‏ الصائم المتطوع أمير نفسه‏.‏ ولأم هانئ ابن يقال له جعدة بن هبيرة قال الحافظ، فيحتمل أن يكون هارون هذا ولد جعدة بن هبيرة‏.‏ وأما أبو الحسن بن القطان فقال لا يعرف انتهى ‏(‏عن أم هانئ‏)‏ بهمزة بعد نون مكسورة بنت أبي طالب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب‏)‏ أي من ماء فإنه المراد عند الإطلاق، وفي رواية أبي داود قالت‏:‏ لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست على يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب ‏(‏ثم ناولني‏)‏ أي بقية الشراب ‏(‏أمن فضاء كنت تقضينه‏)‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ أكنت تقضين شيئاً ‏(‏فلا يضرك‏)‏ أي ليس عليك إثم في إفطارك، وفي رواية أبي داود فلا يضرك إن كان تطوعاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد‏)‏ أخرجه البيهقي قال‏:‏ صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت‏"‏‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ إسناده حسن ‏(‏وعائشة‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري‏.‏ قالت‏:‏ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال‏:‏ ‏"‏هل عندكم من شيء‏؟‏‏"‏ فقلت‏:‏ لا، فقال‏:‏ ‏"‏فإني إذن صائم‏"‏، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا يا رسول الله أهدى لنا حيس، فقال ‏"‏أرينيه فلقد أصبحت صائماً‏"‏ فأكل انتهى‏.‏ وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعاً أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في إسناده مقال‏)‏ فإن في سنده سِمَاك وقد اختلف عليه فيه‏.‏ وقال النسائي‏:‏ سِمَاك ليس يعتمد عليه إذا انفرد، وفي إسناده أيضاً هارون بن أم هانئ‏.‏ قال ابن القطان‏:‏ لا يعرف، وقال الحافظ في التقريب‏:‏ مجهول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يجب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي‏)‏ وهو قول الجمهور من أهل العلم، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وإن كان تطوعاً فإن شئت وفاقضي وإن شئت فلا تقضي‏"‏ في حديث أم هانيء، وبقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أفطر فصم مكانه إن شئت‏"‏ في حديث أبي سعيد الخدري قال الحافظ‏:‏ هو دال على عدم الإيجاب انتهى‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يلزمه القضاء، واحتج بحديث عائشة الاَتي في الباب الاَتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلقيت أنا أفضلهم‏)‏ أي أفضل بني أم هانئ وهذا قول شعبة ‏(‏وكان اسمه‏)‏ أي اسم أفضل بني أم هانئ ‏(‏جعدة‏)‏ قال في التقريب‏:‏ جعدة المخزومي من ولد أم هانئ قيل‏:‏ هو ابن يحيى بن جعدة بن هبيرة وهو مقبول من السادسة انتهى‏.‏ وقال في الخلاصة‏.‏ جعدة المخزومي عن أبي صالح مولى أم هانئ وعنه شعبة‏.‏ قال البخاري‏:‏ لا يعرف إلا بحديث المتطوع أمير نفسه، وفيه نظر انتهى‏.‏ وقال في التهذيب هو من ولد أم هانئ بنت أبي طالب أخو هارون وهو ابن ابنها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أمين نفسه‏)‏ بالنون، قال في المجمع‏.‏ معناه‏:‏ أنه إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء انتهى‏.‏ ‏(‏قلت له‏)‏ أي لجعدة ‏(‏أخبرني أبو صالح‏)‏ اسمه باذام بالذال المعجمة ويقال آخره نون مولى أم هانئ ضعيف مدلس من الثالثة، كذا في التقريب‏.‏ وقال في الخلاصة‏:‏ باذام بمعجمة بين ألفين مولى أم هانئ أبو صالح مدلس، يروي عن مولاته‏.‏ قال ابن معين‏.‏ ليس به بأس‏.‏ قال النسائي‏.‏ ليس بثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن هارون بن بنت أم هانئ‏)‏ قال في الخلاصة‏:‏ هارون بن أم هانئ وقيل إنه حفيدها، عن أم هانئ وعنه سِمَاك مجهول، وقد عرفت من عبارة تهذيب التهذيب أن هارون بن أم هانئ يقال له ابن أم هانئ، ويقال ابن بنت أم هانئ والثالث وهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال أمير نفسه أو أمين نفسه‏)‏ تقدم بيان معنى أمين نفسه، ومعنى أمير نفسه أنه أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم إن شاء صام أي أتم صومه، وإن شاء أفطر، إما بعذر أو بغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن طلحة بن يحيى‏)‏ ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة صدوق يخطئ من السادسة ‏(‏عن عمته عائشة بنت طلحة‏)‏ بن عبيد الله التيمية أم عمران كانت فائقة الجمال وهي ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أعندك غداء‏)‏ بفتح المعجمة والدال المهملة وهو ما يؤكل قبل الزوال ‏(‏قلت حيس‏)‏ بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت، قاله القاري ‏(‏قالت‏:‏ ثم أكل‏)‏ قال ميرك‏:‏ يدل هذا على جواز إفطار النفل وبه قال الأكثرون‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز بعذر وأما بدونه فلا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

502- بابُ ما جَاءَ في إيجابِ القَضَاءِ عَلَيْه

‏(‏باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه‏)‏ أي على الصائم المتطوع الذي أفطر‏.‏

728- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا كثِيرُ بنُ هِشَامٍ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ عن الزّهريّ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ قالت ‏"‏كُنْت أَنا وحَفْصَةُ صَائمَتَيْنِ فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فأَكَلْنَا مِنْهُ فَجاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَدَرَتْنِي إليهِ حَفْصَةُ وكانَتِ ابْنَةَ أَبيها، فقالَت‏:‏ يا رسولَ الله إنا كُنّا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فأَكَلْنَا مِنْهُ، قال ‏"‏اقْضِيَا يَوْماً آخَرَ مَكَانَه‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ورَوَى صالحُ بنُ أبي الأخْضَرِ ومحمدُ بنُ أَبي حَفْصَةَ هذا الحديِثَ عن الزّهريّ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ مِثْلَ هذا‏.‏ ورواه مالِكُ بنُ أَنَسٍ ومَعْمَرٌ وعُبَيْدُ الله بنُ عُمَر وزِيَادُ بنُ سَعْدٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الحفّاظِ عن الزّهْرِيّ عن عائِشَةَ مُرْسَلاً ولَمْ يَذْكُرُوا فيهِ ‏(‏عن عُرْوَةَ‏)‏ وهذَا أَصَحّ لأنّهُ رُوِيَ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال‏:‏ سَأَلْتُ الزّهْرِيّ قُلْتُ له‏:‏ أَحَدّثَكَ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ‏؟‏ قالَ‏:‏ لَمْ أسْمَع مِنْ عُرْوَةَ في هذا شيئاً، ولكني سَمِعْتُ في خِلاَفَةِ سُلَيْمَانَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسٍ عن بَعْضٍ مَنْ سَأَلَ عائِشَةَ عن هذا الحديثِ‏.‏

729- حدثنا بذلك عليّ بنُ عيسَى بنُ يَزِيدَ البَغْدَادِيّ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَ الحديثَ‏.‏

وقد ذَهبَ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهم إلى هذا الحديثِ فَرَأَوْا عليهِ القَضَاءَ إذا أفْطَر، وهو قولُ مالِكِ بنِ أنَسٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جعفر بن برقان‏)‏ بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف أبو عبد الله الرقي صدوق يهم في حديث الزهري، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كنت أنا وحفصة‏)‏ بالرفع ‏(‏صائمتين‏)‏ أي نفلا فعرض لنا طعام بصيغة المجهول أو عرضه هنا أحد بطريق الهدية ‏(‏فبدرتني إليه حفصة‏)‏ أي سبقتني إليه صلى الله عليه وسلم في الكلام، من بدرت الشيء بدوراً أسرعت إليه ‏(‏وكانت ابنة أبيها‏)‏ تعني على خصال أبيها أي كانت جريئة كأبيها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح‏)‏ وقال النسائي‏:‏ هذا خطأ‏.‏ وقال ابن عيينة في روايته‏:‏ سئل الزهري عنه أهو عن عروة‏؟‏ فقال لا‏.‏ وقال الخلال‏:‏ اتفق الثقات على إرساله وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، كذا في فتح الباري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرأوا عليه القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس‏)‏ وهو قول الحنفية واستدلوا عليه بحديث الباب وبحديث أبي سعيد الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم وقد ذكرنا لفظه، وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي، رواه أحمد وأبو داود بمعناه فيجمع بينه وبين حديث عائشة وأبي سعيد بحمل القضاء على التخيير، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم‏.‏

قال الشوكاني في النيل ص131‏:‏ ويدل على جواز الإفطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة يعني الذي فيه قصة زيادة سلمان أبا الدرداء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر ذلك ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز‏.‏ قال ابن المنير‏:‏ ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى ‏(‏لا تبطلوا أعمالكم‏)‏ لأن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان‏.‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ من احتج في هذا بقوله تعالى ‏(‏ولا تبطلوا أعمالكم‏)‏ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال ‏(‏لا تبطلوا أعمالكم‏)‏ بالرياء بل أخلصوها لله‏.‏ وقال آخرون لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك انتهى‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ ولا يخفى أن الاَية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فالصواب ما قال ابن المنير انتهى‏.‏

503- باب ما جَاءَ في وِصَالِ شَعْبَانَ برَمَضَان

730- حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي عن سفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن سَالِمِ بنِ أَبي الجَعْدِ عن أَبي سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالت‏:‏ ‏"‏ما رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إلاّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ‏"‏‏.‏

وفي البابِ عن عائِشَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أُمّ سَلَمَةَ حديثٌ حسنٌ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ لا عن أبي سَلَمَةَ عن عائِشَةَ أَنها قَالَتْ ‏"‏ما رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في شَهْرٍ أكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ في شَعْبَانَ، كانَ يَصُومُهُ إلاَ قليلاً بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلّهُ‏"‏‏.‏

731- حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو حدثنا أبو سَلَمةَ عن عائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلكَ‏.‏

ورُوِيَ عن ابنِ المبَارَكِ أنهُ قالَ في هَذا الحَديِثِ قال‏:‏ هُوَ جَائِزٌ في كَلاَمِ العَرَبِ إذا صَامَ أكثرَ الشّهْرِ أَنْ يُقَالَ صَامَ الشّهْرَ كُلّهُ، ويُقَالُ‏:‏ قام فلانٌ ليلهُ أجمَعَ ولعلّهُ تعشى واشتغل ببعض أمره، كأن ابن المبارك قَدْ رَأَى كِلاَ الحَديثَيْنِ مُتّفِقَيْنِ، يَقُولُ‏:‏ إنّما مَعْنَى هذا الحديثِ أنّه كانَ يَصُومُ أكثرَ الشّهْرِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رَوَى سَالِمٌ أبو النّضْرِ وغَيْرُ واحدٍ هذا الحَديثَ عن أَبي سَلَمةَ عن عائِشَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ محمدِ بنِ عَمْروٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلخ‏)‏ وفي رواية أبي داود وغيره‏:‏ أنه لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان، وهذا اللفظ أوفق لما ترجم به الترمذي‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الرواية‏:‏ أي كان يصوم معظمه واستدل عليه برواية عائشة عند مسلم بلفظ‏:‏ كان يصوم شعبان إلا قليلاً وسيجيء تحقيقه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أم سلمة حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبي داود والنسائي وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، ‏(‏وقد روي هذا الحديث أيضاً عن أبي سلمة عن عائشة‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏.‏ يحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة، ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة وعن أم سلمة تارة أخرى أخرجهما النسائي انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر‏)‏ بالنصب على أنه ثاني مفعول رأيت ‏(‏صياماً‏)‏ تمييز ‏(‏منه‏)‏ أي من النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏في شعبان‏)‏ متعلق بـ ‏(‏صياماً‏)‏، والمعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبي‏.‏ وقال بعض الشراح قوله ‏"‏في شهر‏"‏ يعني به غير شعبان وهو حال من المستكن في أكثر ‏"‏وفي شعبان‏"‏ حال من المجرور في منه العائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي ما رأيته كائناً في غير شعبان أكثر صياماً منه كائناً في شعبان، مثل زيد قائماً أحسن منه قاعداً، أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة والثاني باعتبار أصل المعنى ولا تعلق له برؤيته، وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه بإعبتار حالة واحدة، كذا ذكره القاري ‏(‏كان يصومه إلا قليلاً بل كان يصومه كله‏)‏ أي لغاية القلة، وفي رواية مسلم من طريق أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة‏.‏ كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول إنما معنى الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر‏)‏ المراد بكلا الحديثين الحديث الذي ورد فيه صوم أكثر شعبان والحديث الذي جاء فيه صوم شعبان كله‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏.‏ حاصل ما قال ابن المبارك أن الرواية الأولى مفسرة للثانية وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجازاً قليل الاستعمال واستبعده الطيبي قال لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز فتفسيره بالبعض مناف له، قال فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل المراد بقولها كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طوراً فلا يخلي شيئاً منه من صيام ولا يخص ببعضه بصيام دون بعض‏.‏ وقال الزين بن المنير‏:‏ إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله انتهى ولا يخفى تكلفه والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه‏:‏ ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان انتهى كلام الحافظ‏.‏

واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان على أقوال قد ذكرها الحافظ في الفتح وقد ذكر في تأييد بعضها بعض الأحاديث الضعاف ثم قال‏:‏ والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال‏:‏ قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان‏؟‏ قال ‏"‏ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم‏"‏، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه‏:‏ إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم، قال ولا تعارض بين هذا وبين ما جاء من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده انتهى‏.‏

504- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّوْمِ في النّصْفِ الثاني مِنْ شَعْبَانَ لَحِالِ رَمَضَان

732- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا عبدُ العزِيز بنُ محمدٍ عن العَلاَءِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أَبيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فلا تَصُوموا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أَبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ على هذا اللفْظِ‏.‏

ومَعْنَى هذا الحديثِ عِنْدَ بَعْضِ أهلِ العلمِ أَنْ يكونَ الرّجُلُ مُفْطِراً فإِذا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ شيءٌ أَخَذَ في الصوّمِ لَحِالِ شَهْرِ رَمَضَانَ‏.‏

وقد رُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَا يُشْبِهُ قولهم، حَيْثُ قالَ صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تَقَدّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ إلاّ أَنْ يُوَافِقَ ذلكَ صَوْماً كانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ‏"‏ وقد دَلّ في هذا الحديثِ إنّما الكَرَاهِيَةُ على مَنْ يَتَعَمّدُ الصّيَامَ لِحَالِ رَمَضَانَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا‏)‏ وفي رواية أبي داود وغيره‏:‏ إذا انتصف شعبان، وفي رواية‏:‏ فلا صيام حتى يكون رمضان‏.‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط‏.‏ وأما من صام شعبان كله فيتعود بالصوم ويزول عنه الكلفة ولذا قيده بالانتصاف أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم والله أعلم‏.‏ قال القاضي‏:‏ المقصود استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهى له، ولذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الشهرين في الصوم انتهى‏.‏

وقال الحافظ في فتح الباري‏:‏ قال كثير من الشافعية بمنع الصوم من أول السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرحمَن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره‏.‏ وقال الروياني من الشافعية‏:‏ يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث‏:‏ لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الاَخر‏.‏ وقال جمهور العلماء‏.‏ يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين‏.‏ إنه منكر، واستدل البيهقي بحديث الباب يعني لا يتقدمن أحدكم شعبان بصوم يوم أو يومين على ضعفه فقال‏:‏ الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا منع قبله الطحاوي، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعاً‏.‏ أفضل الصيام بعد رمضان شعبان‏.‏ لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل‏:‏ ‏"‏هل صمت من سرد شعبان شيئاً‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏"‏فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين‏"‏، ثم جمع بين الحديثين يعني بين حديث العلاء ابن عبد الرحمَن وبين حديث‏:‏ لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، بأن حديث العلاء على من يضعفه الصوم وحديث التقدم بصوم يوم أو يومين مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان وهو جمع حسن انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وصححه ابن حبان وغيره‏:‏ وقال أحمد وابن معين إنه منكر كما قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال أبو داود في سننه‏:‏ وكان عبد الرحمَن لا يحدث به قلت لأحمد لم‏؟‏ قال لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان‏.‏ وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه قال أبو داود‏:‏ وليس هذا عندي خلافه ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه انتهى‏.‏ وقال المنذري في تلخيصه‏:‏ حكى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال‏:‏ هذا حديث منكر، قال‏:‏ وكان عبد الرحمَن يعني ابن مهدي لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمَن فإن فيه مقالاً لأئمة هذا الشأن‏.‏

قال‏:‏ والعلاء بن عبد الرحمَن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في صحيحه وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضاً، وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد رضي الله عنهم انتهى كلام المنذري‏.‏

قلت‏:‏ الحق عندي أن الحديث صحيح والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يشبه قوله‏)‏ أي قول بعض أهل العلم ‏(‏والمعنى أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ مثل قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم إلخ‏)‏ أي ما قلنا من أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله فلأنه صلى الله عليه وسلم قال إلخ، فهذا إشارة إلى قوله‏:‏ وقد روى إلخ، وحيث تعليلية، وقال بعضهم‏:‏ وهذا أي كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان لأنه صلى الله عليه وسلم إلخ، وقيل‏:‏ وهذا أي دليل كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم قال إلخ، والظاهر هو ما قلنا والله تعالى أعلم‏.‏